عن أبي عبدالرحمن الأزدي قال :
شددت الرحل إلى أرض الرياض مع آذان الفجر
لأول ليلة من ربيع الآخر لغرض لي فيها ..فدخلت ظاهر البلدة ضحىً، و قد أرجف أهلها
بدوابهم و خرجوا في طلب أقواتهم على زحام شديد في طرقاتها و ما هو أن أمعنت فيها
حتى هالني ما رأيت...
قال الراوي: فما رأيت؟
قال أبو عبدالرحمن: رأيت بيوتاً على هيئة
البلور تلمع و أمماً و عجائب، ما أن تنقضي عجيبة حتى تظهر أخرى...
قال الراوي: فما أعجب ما رأيت؟
قال: و الله كل ما فيها عجيب يا ابن أخي! و
لكن دعني أحدثك...بعد أن أعياني المسير - و بينما أنا تائه - إذا بظل يغشاني
فظننته سحاب فرفعت بصري فإذا جبل من بلور مصفى رأسه منقور و قد استطال في السماء
بعيداً.. فوقفت مشدوهاً أرجع البصر إليه فلا أكاد أرى أعلاه وذكرت قوله تعالى
"إذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظله".. و بينما أن كذلك إذا لاح لي في الأفق
جبل آخر على هيئة سهم أو رمح في أعلاه درة من فضة تزن قناطر كثيرة... فنظرت فإذا
هي على ما وصف لي فعلمت أنها ضالتي .. فقصدتها من دون الجبال فأخذت أطوف في
الطرقات و لا أهتدي إليها -و هي على مرأى مني- حتى دخلت من إحدى الأزقة فألفيت
نفسي عندها...فنزلت عن دابتي و أخذت أطوف بالجبل راجلاً فما وجدت له باباً ألج منه
فأخذت أتبع الناس حتى تراءت لي مغارة فدخلت فيها فإذا بي في ساحة مهولة فيها من
الولدان و الخدم و الأطعمة ما حير العقول..
قال الراوي: فماذا كان بعد؟
قال: سئلت أحدهم عن علالي شركة الكهرباء ...
فنظر في الأفق مشدوها - و قد وجدت أن كل من أسأله عن طريق في بلاد الرياض يشده و
ينظر في الآفق- ثم نظر إلي و قال: تخرج من هناك فسترى دهليزاً فاخرج منه و وصف لي
صفة الطريق .. فانطلقت لا ألوي على شيء..
قال الراوي: فما صنعت؟
قال: مضيت في الدهليز فخرجت إلى هيئة ساحة
مكتوب على جدارها "قاعة سلطان الأمير" أو نحو ذلك فإذا في آخرها دهليز
آخر فدخلت منه فإذا بي بأحد الولدان فسألته فنظر في الآفق مشدوها ثم أشار إلي أن
اتبعني . فتبعته فأدخلني في شيء كهيئة القفص و أمرني أن أضغط على زر فيها و ذهب و
تركني فإذا بالقفص يطبق علي و يعرج بي.. فعلمت أنه الذبح و أني مغدور..
قال: فسلمت أمري إلى الله و وطنت النفس على
كل قبيح .. فما هو إلا أن فتح الباب فإذا أنا بخدم مطرزين و إذا برائحة الطعام
تفوح.. فتجاسرت و دلفت فسألت أحد الخدم عن الطريق فقال: الطريق أمامك و
أشار إلي أن امض... فمضيت فمررت بقوم جلوس على خوانات و أطعمة لا يصح بعضها إلا
للسلطان - أدام الله ظله - و إذا بقوم من الروم و الخزر و الهنود و أخلاط من الناس
جلوساً عليها يأكلون ...
قال الراوي: فماذا كان بعد ذلك يا عم؟
قال: رأيت و الله عجباً يا ابن اخي...مضيت في
الطريق على ما وصف لي فدخلت فإذا أنا ببهوي عظيم من رخام أسود و إذا بقوم جلوس على
طاولة طويلة مهيبة .. فخلتهم قضاة أو من جباة السلطان المختصين به.. فقصدت أولهم
فأشار إلى أن اسأل أول جالس فقصدته و إذا بشعار الشركة أمامه فاستبشرت خيراً فقلت
له ما قلت للأول، فسألني عن سبب مجيئي .. فتيقنت أنه الحاجب .. و أعلمته أني على
موعد مع القوم .. فطلب البطاقة التي عليها الشعار و الصورة فأخرجتها له ..فأخذها
مني و أعطاني مكانها بطاقة أخرى لا صورة فيها و لا شعار و عليها رقم فقلت: هذه
والله القسمة الضيزى ... فسألته ما أصنع بها.. فقال لي: أمضي بها إلى هناك و أشار
إلى دهليز أسود موحش في جوفه أقفاص كهيئة القفص الأول..
قال الراوي: ثم ماذا حدث بعد ذلك؟
قال: مضيت فإذا بممر ضيق عليه سور صغير من
زجاج مصفى .. فذهبت لأعبر منه فأطبق على نفسه و لم يفتح لي كما صنع مع من سبقني و
أخذت أنظر من أين أتيت.. فأشار علي من خلفي الناس - و قد تدافعوا- بأن ضع البطاقة
عليها ففعلت حتى رضيت.. فإذا به يفتح .. فعرفت و الله قدر هذه البطاقة و أن لها
شأناً... فمضيت إلى حيث الأقفاص فإذا بأحدها يفتح و إذا بمن حولي يدخلونها على غير
خوف فدخلت معهم فإذا به من داخله ممرد من قوارير و إذا به أبهى من الأول ، فعلمت
أنه قفص السلطان الذي يعرج به إلى الدرة الفضية... فإذا بخواص السلطان يضغطون على
أرقام منحوتة على جدار القفص من داخله و إذا الرقم يضيء كهيئة الشمع... فعجبت و
ذهبت أصنع مثل ما صنعوا .. فلا تضيء لي... و أعدت الكرة بلا طائل .. فأشار علي
أحدهم ان أمرر البطاقة على الجدار.. فصنعت بها كما صنعت عند باب الزجاج و ضغط على
رقمي فأضاء .. فحمدت الله على الفرج.. و شكرت الله على هذه البطاقة المباركة و
عقدت العزم على أن لا أعيدها..
قال الراوي: فما كان بعد يا عم؟
قال الراوي: فما كان بعد يا عم؟
قال: أخذ القفص يعرج بنا .. و إذا بصوت يخبر
برقم العلالي و لا أرى أحداً يتحدث .. فعلمت أنهم المماليك الذين يجرون القفص من
فوقنا ... فنظرت حتى هتف المماليك برقمي.. فخرجت من القفص حين استوى بنا.. فإذا
أنا في بيت صغير ساكن لا صوت فيه و لا أرى به أحداً... فخفت و داخلتني هيبه..
فأخذت أمشي في ممراته و إذا فيه غرف مغلقات و على كل غرفة حاجب و أسم لأحد كبار
أعوان السلطان أدام الله ظله.. فأخذت أسأل ... فكل حاجب يحيلني على حاجب.. حتى
بلغت الحاجب الذي أريد... فأخبرته أني على موعد مع القوم و أني على عجل.. فقال: أي
موعد؟ فقلت: أليس اليوم هو كذا و كذا فقال: بلى فقلت: قد قطعت القفار و سرت مسيرة
أربعة ايام و عالجت الأهوال لأحضر الموعد فلا تتحاذق و أخبرني عن مكان انعقاد
المجلس... فنظر إلى الآفق مشدوهاً.. فقال: نعم.. نعم .. هناك اجتماع و لكنه ليس
هنا .. فأسقط في يدي و كأني أوترت مالي.. و قلت له: ويلك فأين هو لا أم لك!..
فقال: في معهد التدريب في محلة الملز..
قال الراوي: فما صنعت؟
قال: أخذت أنظر إلى الأفق مشدوهاً و الله يا ابن اخي...
قال الراوي: فما صنعت؟
قال: أخذت أنظر إلى الأفق مشدوهاً و الله يا ابن اخي...
أ.هـ.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق